#####. وهج الذاكرة
من زمان ...كان الحرف يكتبني وطنا يضيق بساكنيه وبماقي الطيبين البسطاء ...ويتسع لوحوش البراري تنهش لحمه ...ويفتح أحضانه للوافدين من حيتان البحر تكسر عظامه وتطحنه طحنا بأنيابها الغليظة البائسة ...وللحشرات تقتات من دمائه وتسكر حتي الثمالة علي نحب فنائه ...كان الحرف يتلضى ويستعر ويقاوم سطوة الجرذ الهائج والبغي اللعوب ...وكنت أتخفى وراء صولجان الكلمات ...فأعتق من رحيق الورد ترياقا أسقي به كابوس أفكاري وأداوي به لوثة التعولم وأشد به أزر القوافي ... ومن عطر الياسمين أكسير الحياة لأحرفي...ومن نتفات السحاب السابح فوق هامات الأعالي حلمت الورود اليائسة المستطارة والنوارس النورانية الحالمة والطيور المهاجرة قسرا خلف هاتيك الوهاد ...
من زمان ...كان الحرف عصيا عن التطويع...وكانت نوارس الكلمات أعظم من أن تغتال علي أعتاب العلب الليلية الصاخبة ... وأشرف من أن تستباح في قصور الدعارة وتحت سيقان البغايا ...وكان الهزار صداحا وفيا ماصودر صوته أبدا ...رغم كل الاغراءات المحمومة ظل صوته شامخا يهدي الهديل العذب للزعتر والاكليل والريحان ...وكانت أسراب الجراد تغزو كل البساتين وتحيلها قاعاصفصفا ...وكانت الزهرات تنمو وتكبر وتترعرع من رحم القحط والجدب في غفلة من أعين الجراد وخفافيش الليل وكلاب العسس المسعورة ...
وكان الحرف يافعا صلبا فتيا يكتبني بلا هوادة ...وكنت السندباد واقفا في العراء متأبطا أغنيتي متسلحا بهديلي وترنيمتي الخالدة لا أحني هامتي للريح ولا أبالي بالأعاصير والجراد الحائم من حولي المتربص بأغنيتي يحصي علي أنفاسي ويلازمني كظلي ...وكنت أهزأ بالأنواء تهطل من كل صوب رغم تلك الكلوم الغائرة في كبدي والمخضبة لتقاسيم جسمي المنهك ...وكانت البسمة تعلو المحيا فتخفي تلك الطلاسم المرسومة في ثنايا التجاعيد علي واجهة الجبين كيافطة بربرية تروي الي الأجيال شموخ الرجال وسطوة الليالي وعنفوان القحط وهوان الجراد المحموم المدجج بمتاريس الهدم والدمار أمام صلابة النوارس وفتوة الأسود...
حمدي بوبكر (وهج الذاكرة/مجرد خاطرة )
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق