السبت، 3 أكتوبر 2020

السلم المعجزة
10.2020
 
الشهرة العالمية التي حظيت بها كنيسة لوريتو بمدينة سانتا فه الامريكية، أحدثتها ولا تزال تحدثها المعجزة الخارقة التي جرت في الكنيسة المذكورة في أواخر القرن التاسع عشر. وهذا ما دفعني لأعيد كتابة قصتها، لمن لا يعرف هذا الحدث الخارق الذي تتزايد شهرته باستمرار...
 
 طلب المهندس المنفذ من الراهبات الحضور ليستلمن كنيستهم لوريتو، بعد انتظار طويل.
جاءت الراهبات مسرعات والغبطة تملأ قلوبهن. لكن بعدما دخلن فوجئن وصدمن صدمة غاضبة، لعدم انشاء درج داخلي يربط أرضية الكنيسة، مع المكان المخصص للكورال في الطابق الثاني.
  احتجت الراهبات احتجاجاً شديداً. وعاتبنا المهندس المنفذ بغضب.
قال المهندس المنفذ: بأن المهندس المصمم، لم يضع سلماً في قلب الكنيسة الداخلية...ونحن نفذنا المخططات كما أعطيتمونا إياها...
عند سؤال المهندس المصمم، لماذا لم تضع درجاً داخل الكنيسة؟ 
حتى يبرر المهندس المصمم خطأه قال: أنا صممت البناء بحيث يكون الدرج خارج مبنى الكنيسة، وهكذا لن  يأخذ من المساحة الداخلية...
قال المهندس المنفذ، بأن الدرج الخارجي سوف يشوه واجهة الكنيسة. 
 قالت الراهبات: نحن لا نريد الدرج في خارج الكنيسة، نحن نريد الدرج في داخل الكنيسة...
قال المهندس المصمم: أنا أعطيتكم المخططات قبل التنفيذ، لماذا لم تراجعن الرسومات وتعترضن على موضوع الدرج...
عذر أقبح من ذنب، أصلاً في المخططات لم يكن هناك درج لا في قلب الكنيسة ولا في خارجها...
وهل الراهبات يعرفن قراءة الخرائط ذات الخطوط المتداخلة المتشابكة. ومن ناحية ثانية الراهبات قد وضعن كامل ثقتهن في المهندس المصمم، والمشهور في المنطقة...لكن كما يقول المثل لكل فارس كبوة. 
  احتارت الراهبات بأمرهن ماذا يفعلن. الدرج داخل الكنيسة يقتطع مساحة واسعة من قلب الكنيسة، والدرج خارج الكنيسة يشوه واجهة بناء الكنيسة... 
 أخذت رئيسة الراهبات أو الريسة كما يسمونها تبكي، وتلوم ذاتها وتطلب من يسوع أن يسامحها، كيف هي لم تراجع تلك المخططات قبل التنفيذ... وهي أصلاً لا تعرف كيف تقرأ تلك الطلاسم العصية على مقدرتها.
  أيضاً أفراد رعية الكنيسة صاروا محتارين، كيف سيحلون هذه المسألة المستعصية. وأين سيبنون الدرج؟ في داخل الكنيسة، أم في خارج الكنيسة؟ 
وصار الأهالي يحضرون يوميا إلى الكنيسة ويعاينون ويقترحون الآراء،  كأنهم مهندسون قديرون يعطون الحلول، والواقع هي  اجتهادات أغلبها غير منطقية. 
  صار الأمر  حديث المدينة، وأضحى هاجساً عند الريسة، وفي كل صلاة كانت تبكي وتطلب مساعدة يسوع، وأن يسامحها على اهمالها غير المقصود...وتطلب منه العون. 
 مضت فترة والمهندسون حائرون لا يعرفون ما هو الحل المناسب، إلى أن جاء أحدهم، قرع باب الدير وطلب مقابلة الرئيسة.
  قال لها: أنا نجار وأنا مستعد أن أنفذ العمل...بدرج داخلي من الخشب، ولن أقتطع  من مساحة الكنيسة  غير الذي كان مقرراَ. 
 قالت الرئيسة معتذرة: يا سيد الأمر ليس سهلاً، المهندسون  وجميع أهل البلد عاجزون عن حل الموضوع، ومن ناحية ثانية  نحن لا نملك نقودا، ولا أخشاباً نقدمها لك تساعدك  في تنفيذ درج استعصت مشكلته على جميع  أهل المدينة ومهندسيها...
 ابتسم النجار وقال: لا تخافوا، كونوا مع الله ولا تبالوا، لا تحملوا هماً. وبالنسبة للمال ستعوضونني يوماً دون شك.  
الريسة والراهبات، كن غير واثقات اطلاقاً بكلام هذا الرجل الغريب، كيف سيقوم بعمل عجزت عنه المدينة بكاملها.
قال النجار: أنا لن أطلب منكن لا مالاُ ولا خشباً، ولا أي شيء آخر، وإذا لم يعجبكن الدرج، لن تخسرن شيئاَ اطلاقاً. ولن أطالبكن بأتعاب او بأية تكاليف... 
وافقت الريسة على كلامه بمضض، وأعطته مفاتيح الكنيسة. وقالت طالما لا خسارة بذلك. ربنا يساعدك... 
 أخذ النجار يعمل بمفرده بالداخل، وباب الكنيسة مقفل عليه، أحياناً تطل عليه الريسة، تجد الخشب يملأ أرضية الكنيسة...
عندما أنهى الرجل عمله بفترة وجيزة، طلب من الراهبات الحضور لاستلام الدرج. 
 كانت المفاجأة صارخة، لم تصدق الراهبات الذي يرونه، درج لولبي خشبي رائع ومتين. أبداً لم يكنّ يتوقعن درجاً بهذا الاتقان وهذا الجمال وهذا الرونق البديع...درج أخذ مساحة صغيرة من أرضية الكنيسة. أصغر من التي  كان مقررا لها... 
 عمل كبير ومكلف. قالت الريسة سنعطيه ضعف المبلغ الذي يطلبه كمكافأة له. ولم تكن الريسة تخمن المفاجأة الثانية التي زادت بفرحة الراهبات. لقد تبرع النجار بكامل التكاليف، وكافة اتعاب العمل، بإصرار وقال: "هذا تبرعاً مني للكنيسة"، ولم يقبل منهن حتى مجرد هدية. ورفض أن يعطيهن اسمه أو عنوانه، حتى يعوضن له جميل صنيعه. غادر النجار المجهول مبتسماُ. تاركا الراهبات يعشن الرضى، رجل دخل ورحل كنسمة هواء صيفية منعشة عابرة. 
قررت الراهبات تدشين الكنيسة، هيأن بصمت كل ما يلزم  وأرسلن بطاقات دعوة للجميع وخاصة إلى المهندسين.
  كان الجميع يتساءلون لماذا التدشين، ومسألة الدرج لا تزال عالقة؟ 
كانت الأجراس تقرع تدعو الناس إلى الكنيسة ليحتفلوا ابتهاجا بالكنيسة الجديدة...
 كانت المفاجأة مذهلة للجميع، وجود الدرج الخشبي الداخلي الرائع،  وخاصة للمهندسين فوجئوا وهم يعاينوا الدرج، واكتشفوا بانه مبنى بطريقة التعشيق، وبدون عمود استنادي، لترتكز الدرجات عليه، والغريب بالأمر نوع الخشب المستخدم في بناء الدرجات، من النوع الفاخر غير المتوفر أصلاً في ولاية نيو مكسيكو، مما أثار الدهشة والعديد من التساؤلات حول ذاك النجار المبدع. الذي نفذ العمل بهذه الحرفية المدهشة...
 عمل ضخم تعجز عنه مجموعة مختصين في ذلك الزمان...
 المهندسون أرادوا التعرف بذاك الفنان النجار، من هو ذاك الرجل العبقري، الذي لا يعرفه أحد، ولم يسمع عنه أحد، ما هو اسمه؟ أين يسكن؟ من أين جاء؟ من أين أحضر الخشب؟ وكيف أنجز هكذا العمل الرائع بمفرده؟ عمل مستحيل أن ينجزه نجار واحد بهذه المدة الوجيزة، وبهذا الكمال. عمل يشبه المعجزة...بل هو معجزة حقيقية
الجميع تساءلوا من يكون ذاك النجار الذي نفذ هذه المعجزة؟ 
 فقط رئيسة الراهبات كانت تعرف من هو. كانت تبتسم. والغبطة تملأ قلبها، وكم تشكرت يسوع وأهل السماء على كرمهم وعطاءاتهم المجانية...
 وأخيراً تحت الحاح واصرار الجميع، باحت رئيسة الراهبات بالسر وقالت: النجار هو مار يوسف، نعم كان مار يوسف خطيب مريم العذراء...والمعروف بأن مار يوسف كان نجارا وكان يسوع يساعده في ورشة النجارة... 
 يا للروعة، هذا ما حدث في كنيسة سانت فه منذ 130 سنة. 
 هذه الكنيسة ودرجها المعجزة يزورها سنوياً ما يزيد عن 250 الف زائر، وأعداد الزائرين يتزايد سنة بعد سنة، حتى يعاينون الدرج المعجزة، ويشكرون الله على عطاءاته...
   كاتب القصة: عبده داود

[
 ](https://www.facebook.com/photo.php?fbid=620250818053841&set=a.475096665902591.1073741827.100002067845823&type=3)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...