دوار القمر
حلقة 5
أهالي قرية دوار القمر، الكبار والصغار مشغولون هذه الأيام بتزيين منازلهم، لقد اقترب عيد الميلاد الذي يأتي في الخامس والعشرين من الشهر الأخير من كل سنة.
تزينت الاشجار الصناعية والطبيعية في البيوت، وكذلك الأشجار السرو السامقة في الشوارع بالمصابيح الكهربائية الملونة، وعلى الرغم من البرد القارص ذاك العام، كان يخرج سكان القرية في الليل حتى يستمتعوا برؤية أضواء الميلاد الجميلة المتراقصة التي تزين القرية...
الأولاد يكتبون قوائم بالهدايا ويعطوها إلى أهلهم ليسلموها الي بابا نويل... بعدها يغيرون رغباتهم ويكتبون قوائم جديدة ، وهذا يزعج الأهالي الذين اشتروا الهدايا المطلوبة وسلموها إلى الرجل الذي يرتدي الأحمر والأبيض حاملاً الجرس... الأهالي يقولون لأولادهم بأن بابا نويل لا يحضر الهدايا إلى المترددين...
المنطقة هنا في دوار القمر غالباً بهذه الفترة من الزمن ترتدي ثوب عرسها الأبيض، الثلج يكسو كل الجبال والوديان وأسطحة البيوت القرميدية، والأشجار وكل شيء...
ليلة العيد، عادة أغلب أهل القرية. ينتظرون قدوم بابا نويل حامل الهدايا التي ستفرح أولادهم...
بيت أبو يوسف لم يعد عندهم أطفال، الصغيرة حنان تمر في ربيع عمرها السابع عشر...
لكن رغم هذا هذه السنة، جاء البابا نويل إلى بيت أبو يوسف وأحضر معه هدية كبيرة...
هل عرفتم أصدقائي من كان ذاك البابا نويل، وما هي الهدية؟ طبعاً لا، كان يوسف، والهدية هي عريس لأخته فيروز...
أخذ يوسف يرحب بالرجل الذي يبدو في الخمسين من العمر، ويمدح في ضيفه قائلاً: صديقي عنده عدة منازل يعيش من إيراداتها، وعنده وكالة سيارات كبيرة بالمدينة، وهو كريم وسخي... كان يوسف يوجه حديثه إلى فيروز...
يوسف موظف مسؤول في المصرف، يرتشي من هذا الرجل ويكسب منه الكثير من أجل بعض الخدمات المشبوهة، يمرر له بعض المعاملات غير الشرعية، ويجعلها شرعية بالتلاعب على القوانين وحتى بالتزوير...
يوسف كان يمدح ويبالغ في مدح ذاك الضيف العريس أبن الخمسين، عريس عيد الميلاد... وقد وضع جميع الصفات العظيمة في هذا الرجل التاجر... أما الصفات السيئة فقد أخفاها يوسف عن أهله وعن أخته...
الضيف كان يراقب فيروز... ويتأملها بتمعن...
عروس صغيرة بالعمر، وذات جمال طبيعي ملفت، ومن عائلة محترمة، والسبب الأهم الخفي الحقيقي في فكر هذا التاجر، بأنه سيضع يوسف تحت جناحه وسيمرر كافة معاملاته المصرفية غير الشرعية.. هذا يعني يوسف هو حاميها، ويوسف هو حراميها...
فيروز كانت صامتة كادت تتقيأ من كلام الضيف، اعتذرت ودخلت تنام، لا تريد أن تسمع أحاديث فارغة لا تعنيها...لا من قريب ولا من بعيد.
في الحقيقة هي باتت حذرة من أخيها يوسف، وفهمت بأن كل ما يفعله اخوها هو في مصلحته هو، غير مكترث بأخته أو اهتماماتها...
اليوم التالي، صباح العيد أهتمت العائلة بفطور الضيف صديق يوسف، وامتلأت الطاولة بكل انواع الأطعمة الصباحية، من الزبدة والعسل، والأجبان، والزيتون بكل اشكاله، وبيض الدجاج الذي يطعمونه الحبوب النظيفة، لا العلف الصناعي الكريه، وكذلك الحليب غير الممزوج بكمية ماء تعادل حجمه أو أكثر... والزيتون بكافة اشكاله الأسود والأخضر الذي تشتهر فيه قرية دوار القمر، وهناك العديد من المأكولات التي تشتهر فيها قريتهم ومنها "المكدوس، والشنكليش" وهذه تسميات لأطعمة سورية. لا أعرف إذا كانت هذه الأطعمة معروفة في البلاد الأخرى. أو بتسميات مختلفة.
أما الخبز المشروح المخبوز في التنور ذو طعمة مميزة لا يعرفها أهل المدن، لأنه من قمح ضيعتهم الصافي، ومطحون على البارد، بمطاحن تدار بهدوء بقوة اندفاع الماء...
الضيف، كان يأكل بشهية ويقول بحياتي لم أتمتع بالأكل كما أتمتع به اليوم، إنه شهي جداً...
فيروز استأذنت وقالت أنا سأذهب إلى الكنيسة لأنني من جوقة المرتلين واليوم هو قداس العيد الصباحي الاحتفالي لا يجوز ترك الكورال وأنا مرتلة أساسية في فيه...
طبعاً عادل حبيب فيروز في جوقة التراتيل، وسيحضر ليشارك في القداس طالما هو موجود في القرية وطبيعي سوف يقابل حبيبته فيروز...
بيت أبو يوسف أيضاً سيذهبون إلى الكنيسة، لكن الضيف قال ارجوكم عندي كلام أود قوله قبل ذهابنا للكنيسة، وسنصلي على نية التوفيق...
قال بصراحة أنا أعجبتني فيروز، وأتمنى أن توافقوا أن تشاطرني أبنتكم حياتي، وأنا مستعد لكل طلباتكم مهما كانت ومهما بلغت...وأخرج الرجل دفتر شيكات مصرفية من جيبه ووضعه على الطاولة، وقال الرصيد كبير والحمد لله، يمكنكم تدوين الرقم الذي تريدونه حتى ولو كان الرصيد كله هو لكم...
انهى الرجل كلامه، وهو متأكد من موافقة الأهل على طلبه، وسأل الضيف أبو يوسف ما رأيك عمي أبو يوسف، هل انت موافق؟
قال أبو يوسف: يا سيد رجاءً ضع مالك في جيبك، نحن لا نبيع بناتنا، أنا ربيت أولادي احراراً، يأخذون قرار حياتهم بأنفسهم، نحن علينا أن ننصحهم، لكن هم عليهم أن يختاروا طريقهم بحريتهم.
حضرتك إنسان ناضج تقريباً بمثل عمري، وتعرف ماذا تريد، ماذا تشتري وماذا تبيع... لكن الكلام الأخير يعود إلى ابنتنا فيروز...
احتج يوسف بصوت عال وقال: أنت أبو البنت وكفاها دلع...وأراد أن يتابع صراخه، لكن امه اسكتته وقالت يكفي إنك حرمتها من الدوام في الجامعة الرسمية، ما هذا التعليم المفتوح أنا غير فاهمة هل له مستقبل أم هو مجرد مضيعة للوقت؟
وساد صمت قطعته حنان بقولها أنا سأحضر القهوة.
فيروز شاهدت أهلها ومعهم عريس الغفلة بالكنيسة. بعد القداس نست الضيف، وتناست أخيها، وسارت هي وعادل في الطريق الزراعي قاصدين نبع الماء، لكن هذه المرة سيراً على الأقدام، وليس على الدراجات الهوائية...وكان عادل ماسكا بيدها وهي تاركة له يدها بفرح وبحرية وتحدي للجميع، وكأنهما يعلنان فرحتهما ببعضهما لجميع سكان القرية...
تحادثا طويلاً، عن مستقبليهما وعن الأرض التي سيعمل فيها عادل مزرعة نموذجية، وهي عن مشاريعها بأنها ستفتتح مكتب محاماة إذا لم تتمكن من متابعة التعليم الاختصاصي ونيل شهادة الدكتوراه في الحقوق الدولية.
بعدها أصرت فيروز أن يحضر عادل وجبة الغذاء مع العائلة، وهي تعرف بأن عريس الغفلة عندهم، وتدري بأن النار ستشتعل في البيت، ولكنها سلحت ذاتها بكامل طاقتها، حتى تبتر ما يدور برأس أخيها...وتضع له حدوداً يقف عندها...
كتب الحلقة: عبده داود
إلى اللقاء في الحلقة 6
الحلقات السابقة موجودة بمجموعة رواياتي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق