الجمعة، 2 أكتوبر 2020

حَتَّي تلفح الْأُفُق
بِقَلَم الأديبة عَبِير صَفْوَت

سَقَط النُّورِ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّي تلفح الْأُفُق بجلباب أَسْوَد يعارك فَكَرِه راقية الْمُظْهِر ، أَنْسَانِيه التَّوَاجُد فِي رُؤْيَةِ الْآخَرِين ، حَتَّي استكانت الْمَرْأَةِ فِي مَقْعَدُهَا تُقْصَد الْحَقّ . . حَتَّي )

زخت الأمطارُ مِنْ عُيُونُهَا الزَّرْقَاء وكيانها الْأَشْقَر يَهْتَز كَا قَطَعَه مرشيملو بَيْضَاء ، تتفصد الْعَسَلُ مِنْ الْجَبِين وملامح وَجْهِهَا الْأَمْلَس يَجْنِي ثِمَار الْوُرُود الْحَمْرَاء ، تَفَوَّهَت شِفَاهًا البمبي ، كَطِفْل يتتوق لِصَدْر أُمِّه ، تبوح بِصَوْتِهَا الْأَقْرَب لِصَوْت الْكُمَّان ، تَعْزِف عَلِيّ أَمَالَه مِنْ بُؤْبُؤِ عُيُونُهَا ، تستجدي الْقَانِط أَمَامَهَا بِلُطْف يَحِير نَاظِرُه :

بِاَللَّهِ عَلَيْك ، مَاذَا لَك مِنِّي غَيْرِ الصِّدْقِ ذَاتِه ؟ !

قَالَ لَهَا صَاحِبِ الْحَالِ بِهَذِهِ الْجِهَةِ الرَّسْمِيَّة :

الْمُجْتَمَع سيدتي الْجَمِيلَة ، مَاذَا سَيَقُول ؟ !

قَامَت الرَّاقِصَة فِي زَهْو ، بِحَرَكَة لولبية مِن كفوفها الْبَيْضَاء ، كَأَنَّهَا تَسْتَعِدّ إنْ تَقَدَّمَ رَقْصَة شَيِّقُه مِن صَمِيم قَلْبُهَا ، نَظَرْت إلَيّ السَّمَاء ، حَتَّي ظَنّ الْمُوَظَّف الحكومي ، أَنَّهَا تَفَكَّر بِالْغِنَاء أَو تُعْلِن عَن اسْتِعْراض ، حَتَّي قَالَت بِلَا ادني مَلامِح تأثيرية ، فَرَغْت مِنْهَا الأحاسيس ، إلَّا لَيْس بِالْإِمْكَان أَفْضَلُ مِمَّا كَانَ .

حَتَّي تَحَاكَّت . . )

أَنَا رَاقِصَةٌ محترفة ، طَالَمَا كُنْت أُرِي الرَّقْص مِثْلِهِ مِثْلُ السَّبَّاحَةِ أَوْ مُمَارَسَةِ الرِّيَاضَةِ أَوْ مِنْ الْعَادَاتِ اليَوْمِيَّة مِثْلَمَا كَانَتْ تَقُولُ أُمِّي ، كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي كُلِّ الْأَشْيَاءِ المصيرية ، وَأَنَا اسْتَمَع لِكُلّ نَغَمَاتٌ الْأَحْدَاث البشعة وَالْأَفْعَال السلوكية المقشعرة لِلْجِسْم ، وَأَنَا أَرْقَص .

كَانَ ذَاكَ الْحَالِّ بِالنِّسْبَةِ لنشئتي مِثْل الْعَوَامِل الطَّبِيعِيَّة ، السَّمَاء تُرْعَد وَأَنَا أَرْقَص .

الْأَرْض تَهْتَزّ وَأَنَا أَرْقَص .

الْحُرُوب تُقَام وَأَنَا أَرْقَص .

الصِّرَاع دَائِمٌ وَأَنَا أَرْقَص .

الْحِلْم يَتَجَدَّد وَأَنَا أَرْقَص .

تَعَلَّمْت أَنَّ الطَّرِيقَ إلَيّ شتي الطموحات الْمُخْتَلِفَة يَخْرُجُ مِنْ رَحِمَ الرَّقْص ، أَرْقَص لِكَي أَنْصَح ، أَرْقَص لِكَي ابْنِي جِيل صَحِيحٌ مِنْ فَحِيح الْحُرِّيَّة إنَّمَا لَا مَنَاط عَنْ الِاعْتِدَالِ ، أَرْقَص كَي أُعْطِي الْفُقَرَاء وَأَتَعَلَّم وَأَكُون رَمْزًا مِنْ رُمُوزٍ الْمُجْتَمَع ، بِقُوَّة دَافِعَةٌ مِن الرَّقْص الْمُشَرِّع ، حِينَ يَكُونُ الْعَطَاء مُتَعَدِّد فِي صُورَةِ الرَّائِعَة .

تَعَلَّمْت كَيْفَ أَصْنَعُ مِنْ الرَّقْص تِمْثَالٌ الْحُرِّيَّة وَالْعَطَاء لِلْآخَرِين ، أَرْقَص لِأَقْوَم بِالْبِنَاء ، أَرْقَص لِأَصْنَع ، أَرْقَص لِأَوْجُه ، أَرْقَص لِصُنْع أَشْرَف العَلاَقَات ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نشكل الْحُرِّيَّة حَسَب تَفَاصِيل أَجْسَادِنَا .

لَكِن هُنَاك الْكَثِيرُ الَّذِي يُعْتَبَرُ عَلِيٍّ فِي هَذَا الْأَمْرِ ، وَلَم يراودني يَوْمًا شَكَّ فِي مُسَاءَلَةٍ نَفْسِي ، تَفَكَّرْت بِنَفْسِي ، مَا سَبَبُ تُمْسِكِي بِالرَّقْص؟! طَالَمَا صَارَت ميولي الْجَدِيدَة نَحْو الْإِنْسَانِيَّة ، إنَّمَا لَمْ أُرِي الرَّقْص أَوْ أَيُّ شَيّ آخَر بَعِيدٌ عَنْ الرَّقْص .

كُنْت أَتَنَاوَل طَعَامِي وَأَنَا أُرِي الراقصات فِي مُلْهِي أُمِّي اللَّيْلِيّ يَلْتَوِي خصرهن متاثرين بِالْحُزْن أَوْ الْفَرَحُ لَكِن وَهْنٌ فِي حَالَةِ الرَّقْص .

فَعِنْدَمَا تَمْر الرَّاقِصَة بِأَزْمَة ، كَانَت تَجْهَر أُمِّي بِوَجْه التَّابِعِ لَهَا قَائِلُه بِعُنْف :

وَاد يَا شَفْطَة عَلِي النهواند وَأَنْزَل بالسيكة خَلَّيْنَا نَفْهَم ، مَا هِيَ العِبارَةُ ؟!

طَالَمَا حَلَّت الْمَشَاكِل والأزمات فَوْقِ هَذِهِ المِنْضَدَة الرخامية تَصْطَكّ الْكُؤُوس وتترنح وَتَمَلُّك أُمِّي زِمَامَ الأُمُورِ ، وَهِي تُطْرَح القضاية عَلِيّ نَغَمَاتٌ الطَّرَب وَهَزّ خَصْر الراقصات .

كَبِرَت وَقَد تَوَجَّهَت إلَيّ الثَّوَاب ، بَعْدَمَا اسْتَقَلَّت نَفْسِي بِعَمَلِي فِي الرَّقْص الْحُرّ ، حَتَّي أَرَدْت أَنْ أَعْمَلَ الصَّالِح كُنْت أَتَصَدَّق وَاعْمَل الْمَشَارِيع الَّتِي لَا تُعْرَفُ عَنْ الرَّقْص شَيّ ، نَجَحْت وَتَأَلَّقَت ولقبني الْجَمِيع , رَاقِصَةٌ الْخَيْر .

وَصَلَت بَهْزٌ الْوَسَط إلَيّ أَعَلَيّ مَرَاتِب الْحَيَاة وَالتَّمَيُّز مِنْ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي كَان لعطائهم ثَمَرَة التَّقَدُّم وَفَتْح طُرُق جَدِيدَةٌ لِكُلِّ طَامِح .

كُنْت ابْنِي وَإِنْشَاء وَأَطْيَب أَوْجَاع الْجَمِيع

لَم ينقصني شَيّ ، إلَّا شَيّ وَاحِد طَالَمَا بَحَثْتُ عَنْهُ طَوِيلًا وَلَمْ أَجِدْهُ حَتَّي الْآن . . وهو)

لِمَاذَا أَتُمْسِك بِالرَّقْص ؟ ! مِثْلَمَا يَتَمَسَّك الْإِنْسَان بِأَبْسَط حُقُوقِهِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ .

حَاوَلَت الاِبْتِعَاد وَالتَّنَكُّر مِن الرَّقْص والراقصات ، إِنَّمَا مَا كُنْت إمَامِه أَمَالَه رَأْسِي وخصري والتخاذل إمَام الرَّقْص .

فَعِنْدَمَا أُفَكِّر أَوْ أَحَلَّ قَضِيَّةٌ مِنْ الْقَضَايَا الْهَامَة ، كُنْت أُرِي بِطَانَةٌ الْمُشْكِلَة أَصْوَات مِن النهاوند والسيكة والصول ، فَكُنْت لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجِدَ الْحِلُّ إلَّا بَهْزٌ وَسَطِي بَيْنَ الْجُمُوعِ ينبهرون وَأَنَا أهْيَم فِي الْمَحَالِّ أَرْبِطَه بِالْوَاقِع .

إلَيْك حَالِي وَمَا تَتَجَوَّل بِهِ نَفْسِي عَبَّر الْوَاقِع أتساءل ، هَلْ مِنْ حَقِّ التَّارِيخ لِلْآخَرِين ؟ ! أَنْ يَتَطَهَّرَ أُمِّ أَنَّ يَظَلّ بِقُبْحِه .

اِنْزَلَقَت دَمْعُه حارِقَةٌ ألْهَبَت أَجْفَان صَاحِبِ الْحَالِ ، ارتعشت يَدَاه وَهُوَ يُؤَكِّد بِكَلِمَة مَخْتُومَة ، تَمَّت الْمُوَافَقَة . 
   ‎

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...