( مراحل النص النثري وفوضى المصطلح )
ان قصيدة النثر:تعرف حسب رؤية الكاتبة الفرنسية سوزان برنار بانها(قطعة نثرموجزة بما فيه الكفاية موحدة وموجزة مضغوطة كقطعة بلور خلق حرآ ليس له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء خارجا عن كل تحديد وشيئ مضطرب ايحاءاته لا نهاية)حتى بدا هذا التعريف ملاذا امنا لشعراء العصر الحديث من تقلبات العمودي الموزون والقوافي وقيودها المحكمة,ولا زال استعار الحرب قائما حول انتماءه للشعر من عدمه رغم ايمان مريديه وكتابه بانه نوع ادبي بامتياز.ان من اهم اسباب عدم انتقاء اسم ثابت وملائم لهذا الوليد هو تنوع اشكاله والتخبط في نسبه لاي نوع ادبي بسبب قصرعمره انت ادى الى عدم الاستقرارفي تسميته على مدى عقود متأرجحا بين الشعر خارج الوزن وبين الشعر الحر فوضى وارتباك واضح ادت الى ان يكون له اكثر من(25)مسمى كلها تحوم حول نقطة(شعر,نثر,نص)وتبقى الاكثر رواجا واستعمالا هي الشعر النثري اوالقصيدة النثرية وكلها تشير الى ذهنية المتلقي بشعرغير موزون ومطلق هاربا من صعوبات واشكاليات الشعرالعمودي من اوزان وقوافي وانه ابتكار يميل للسهولة وعدم التقييد وهذا ما اشارت له سوزان بيرنار في دراساتها للشعر الفرنسي بحيث انها وضعت محددات للولوج الى منصات الابداع والتميز من اهمها (الايجاز ,الكثافة,التوهج,الاشراق وغيرها). المتتبع لتاريخ ظهور هذا الكائن وكثرة مسمياته فانه يستقرأ كم القلق الملقى على اكتاف كاتبيه وحتى مريديه لدفع الشبهه عن كونه ليس بشعر بل والسعي الجاد لالحاقه بالشعر مما ادى في كثير من الاحيان لانتقاء اسماء حداثوية مثل(عصيدة على غرار قصيدة) و(نصيص على غرار نص شعري)و(نسيقه,مقصوصة,شذرة,نص مركز ونص مشعرن وغيرها)كلها مسميات تضج بهواجس ودوافع مبطنة لضمه وتقريبه من الشعر. ومن اهم مراحل عمر هذا النوع:
المرحلة الاولى:من العام(1892-1955)وبدات بكتابات الشاعراحمدتركي في ديوانه الشفق الباكي 1926 وتميزت باتخاذها العروضية المبنية على مزج البحورللخروج بترتيب ايقاعي مستقرونسق قوافي واحد واحيانا متعدد بتعدد الاوزان خال من التكلف في الانتقاء الالفاظ والجمل ومن شعراء المرحله خليل شيبوب (1891-1951) بقصيدته المعروفة (الشراع)...
المرحلة الثانية:او مرحلة نازك الملائكة(1923-2007)وهنا ظهرت لمسات التجديد في اشعارها عام 1947ومنها قصيدة(كوليرا)حيث ركزت على الدلائل العروضية واخذت منحى مختلف بتعدد التفاعيل وكثافة العبارة والنأي عن الحشوالكلاسيكي المملوبذلك بدأتمرحلة التجديد لتخلصها من القيود الثابته مع الابقاء على العروض
المرحلة الثالثة:وظهرت في تجمع الشعراء المنضوين في مجلة(الشعر)عام 1960وتجرد الشعر هنا من مبدأ العروض والوزن والقافيةحتى بدا كأنه كلام دارج او بيتي وقد تاثر بالشعر الاوربي وبالاخص الفرنسي والانجليزي وواجه انتقادات لاذعة واستهجان مباشر من شعراء المرحلتين الاوليتين حيث نقدته نازك الملائكة بقولها(يفتح القارئ تلك الكتب متوهما انه سيجد بها قصائد مثل تلك القصائد تحوي الوزن والايقاع والقافيةغير انه لا يجد شيئاوان مايطالعه ماهو الا نثر اعتيادي) واختلف شعراءه بالتسمية الى معسكرين حسب تاثرهم المنهجي فمثلا توفيق صايغ وجبرا ابراهيم ومحمدالماغوط اتباع المنهج الانجليزي يسمونه بالشعر الحر واما اتباع المنهج الفرنسي مثل ادونيس وانسي الحاج يسمونه بقصيدة النثر فصار هناك خلط واضح بين النوعين ادى الى كتابته بطرق متعددة مثل شعر التفعيلة والمقال النثري واخرين يمزجون بين الشكلين وخصوصا اولئك الئين يعتبرون الشكل نوع من انواع العبودية, ويعد ادونيس اول من ثبت اسم قصيدة النثر هو وانسي الحاج مستندين الى توضيحات برنار في كتابها(قصيدة النثر من بودلير الى ايامنا) وقد ركزوا على مرحلة اعادة صياغة الجملة التي تكررها دائما في كون امتلاك قصيدة النثرعلى قوة دفع مزدوجة قوة فوضوية هدامة تنكر الاشكال القائمة وقوة بناء تهدف الى تاسيس شعرية كلية ) وان هذا المصطلح يؤكد هذه الازدواجية لانها تصاغ في نثر متمرد على كل التقاليد والعروض والاساليب.وبذلك ممكن ان نوجز ان القصيدة النثرية مرت بثلاث مراحل تميزت اولاهما بالالتزام في العروض والقوافي وان الثالثة تدخلت فيها الثقافات والمنهجيات الانجليزية والفرنسية ولكن تبقى الحاكمة الرصينه في القياس هي ذائقة المتلقي المتمرس الخبير في تمييز الايقاعات الداخلية لما مخبوء في طيات النصوص وايضا الاحتكام الى الديمومة والبقاء فالنصوص الرصينة الرزنة المتماسكة تحافظ على ديمومتها وتخليدها بينما النصوص الهامشية الهزيلة والمستهلكة سرعان ما تتلاشى وتتنكر لها الذائقة في التداول بين الاوساط الادبية فضلا عن عامة الجمهور .
بقلم المهندس محمد نعمة اللامي العراق...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق