الخميس، 4 مارس 2021

تلصص ‏/ ‏بقلم ‏الشاعر ‏صالح ‏سعيد

تَلَصُّصٌ                       

ذَاتَ حَدِيثٍ مُمْتِعٍ مَدَدْتُ أُذْنِي بَغْتةً لِأَسْمَعَ الحِوَار،
يَرِنُّ بَيْنَ عَاشِقَيْنِ فِي وَضَحِ النَّهَار،
كَانَ الجِدَارُ مُوصَدًا لَكِنَّهُ مِهْذَار،
سَمِعْتُ لَمْسَةً عَمِيقَةً مِنْ فَارِسٍ مِغْوَار،
لِمَوْطِنِ الأَسْرَار،
قَالَ لَهَا " تَعَطَّرِي بِخَمْرَتِي،
وَغُوصِي فِي حَدَائِقِي، وَطَوِّفِي مَدَائِنِي، 
فَالوَاحِدُ القَهَّار،
بَذَرَنِي مِنْ سَالِفِ الأَزْمَان،
لِكَي أَكُونَ رَقْصَةً وَتَقْطِفِي الثِّمَار. 
تَذَوَّقِي طَرَائِقِي فِي لَيْلَةِ المِيلاَدِ، وَزَلْزِلِي مَطَارِحَ العُشَّاقِ
وَفَارِقِي فَوَّازَ وَعُبَيْلَةَ وَلَيْلَى، وَطَلِّقِي الفِرَاق،
فَوَصْلُنا مَتَاهَةٌ وَنَارُكِ لَطِيفَةٌ وَخَمْرُكِ شَيِّقَةُ المَذَاق.
تَخَلَّلِي مَفَاصِلي، وَغَلْغِلِي السِّكِّينَ فِي دَوَاخِلِي،
فًكُلَّمَا سَكَنْتِ فِي دَمِي أُفَارِقُ مَدِينَةَ الأَمْوَاتِ،
أُعَانِقُ مِيَاهَكِ بِوِحْشَةِ الفَلاَة".
سَمِعْتُهَا تَحِنُّ كَنَغْمَةٍ مِنْ وَتَرٍ تَئِنُّ،
تُدَغْدِغُ أَنْغَامَهُ البَعِيدَةَ لِتَصْنَعَ مِنْ بَوْحِهِ القَصِيدَة.
تَقُولُ: " يَا مَلاَكِي، يَا بَلْوَتِي وَمِحْنَتِي وسِرِّي وَهَلاَكِي،
خُذْنِي إِلَى رِحَابِكَ وَانْثُرْنِي فِي تُرَابِكَ كَبَذْرَةِ الخُلُودِ
وَاسْقِينِي مِنْ رَنِينِكَ المَعْهُودِ،
فَكُلٌّ نَغْمَةٍ مِنْ عَزْفِكَ تُلاَمِسُ التُّخُومَ مِنْ وُجُودِي..
يَامَالِكَ السَّلاَمِ، يَا خَالِقَ الأَوْتَارِ مِنْ هُيَامِي،
غَلْغِلْ صَهِيلَكَ فِي دَمِي وَانْثُرْهُ فِي عِظَامِي،
وَاضْرِبْ بِسَهْمِكَ مُقْلَتِي. فَإِنَّنِي عَمَاءٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ إِمَامِي، 
يَا مُؤْنِسَ دُرُوبِي يَا وَارِفَ الظِّلاَلِ مِنْ شُحُوبِي،
حَكِّمْ عَفَافَكَ العَمِيق،
واغْرِزْ بُذُورَكَ فِي شَهْوَةِ الطَّرِيق،
وَانْثُرْ سَحَابَكَ فِي خَافِقِي لَعَلَّنِي فِي بَحْرِكَ أُغَنِّي لِلْغَرِيق،
فَيَطْفُوَ، وَيَمْلَأَ الطَّريقَ بِالعَقِيق".
كَانَ الحِوَارُ شَيِّقًا، سَافَرْتُ فِيهِ حَالِمًا
بِثَمْرَةِ الخَطِيئَة تُذْكِي سَلاَمًا نَاعِمًا.
لَكِنَّ صَوْتًا شَقَّنِي أَعَادَنِي مِنْ سَفْرَتِي،
وَشَدَّنِي وَهَدَّنِي، إِلَى القِطَارِ رَدَّنِي،
فَعُدْتُ لِلْقِطَارِ
أُدَنْدِنُ بِمُتْعَةِ الحِوَارِ.. 

صالح سعيد / تونس الخضراء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...