الأحد، 18 أبريل 2021

يوميات مضيفة طيران
المصالحة العائلية
الحلقة 4
وصل الأب ميشيل وأبو سحر للبيت، ركضت سحر، ومسكت يد والدها قاصدة أن تقبلها، لكن هو سحب يده، وحضن ابنته وأجهش بالبكاء، وسالت دموعه على وجنتيه...
كان الوضع درامياً بكل أبعاده، قطع الصمت وصول الطعام من المطعم. 
التمت العائلة حول طاولة العشاء، وقف الأبونا وقال دعونا نصلي، ونشكر الله على نعمه الكثيرة، وحتى ينير عقولنا ويلهمنا لطريق الصواب والعقل...
وتابع: دعونا نتصارح ونضع النقاط حيث يجب أن تكون: الذي فهمته من أخي أبو سحر بأنكم غاضبون من ابنتكم لأنها اختارت عملاً أنتم غير راضين عنه، وإنها تركت فرصة عمل في التدريس في واحدة من المدارس الراقية في دمشق، وخاصة إن المدرسة قريبة من داركم... لتلتحق في وظيفة، أنتم لا تعرفون لها عنواناً...
سامحوني، سأقول لكم بصراحة، أنتم مخطئون، أنا شخصياً أؤيد سحر، ابنتكم بصراحة لم تخطئ، وأنا شخصياً لو لم أكن كاهناً، لكنت بحثت عن وظيفة مشابهة لوظيفة سحر، مضيف جوي، أو كابتن طائرة، أو مساعد كابتن، أو ما شابه، أتنقل كل يوم من بلد إلى بلد، من شعب إلى شعب، ومن حضارة إلى حضارة، أجوب العالم، أشعر بطعم الزمن، وطعم العمر، وبذلك ينتهي روتين الحياة الممل، ويعيش الانسان عمره بسعادة ورقي، ويتمتع في حياته الواحدة...
لكن الذي جعلني أعتب على سحر وهدى، هو الأسلوب الخاطئ الذي فعلتاه، اعتمدتا الخداع كوسيلة، لتبرير الغاية.
هذا كذب غير مقبول البتة، وهذا استخفاف بعقل والديكما، تكذبان عليهما، وتدعيان بأن سحر ذاهبة برحلة قصيرة، بينما رحلتها حول دول العالم المختلفة... هذا مما ضخم المصيبة على والديكما، لأنهما لم يتعودا منكما سوى الصدق. بينما أنتما كذبتما وكسرتما كلمتيهما، وكان الصحيح أن تجدا وسيلة يرضاها الله مقنعة...
ريتكما أخبرتماني، كنت سأحاول التوفيق بينكم، وإذا أصر والديكما على موقفهما الخاطئ، وركبا رأسيهما، أنا كنت سأقف إلى جانب سحر، لأنها على حق، وأنا بذاتي كنت أوصلتها إلى المطار. وحينها لم تكن تصل الحال إلى ما وصلت اليه...
الآن دعونا نفتح صفحة جديدة، الصلح هو سيد الأحكام، دعونا نسامح بعضنا البعض، حتى ربنا يسامحنا، وإذا لم نسامح ونغفر لغيرنا زلاته، ربنا لن يغفر لنا زلاتنا...
وطلب الأبونا من سحر أن تقبل والديها وتطلب مسامحتها... غرقت عيون الجميع بالدموع، وكان تبادل القبلات حارا، وبعد ذلك بدأت تلين  القلوب، وظهرت  ابتسامات خجولة  شاحبة على الوجوه... 
وجه الأبونا كلامه إلى سحر وقال: لو كنت عارفاً بأنك ستذهبين إلى فرنسا، كنت أرسلت معك رسالة إلى أبونا جاك صديقي، الذي يخدم في كنيسة نوتردام ربنا يسامح الذين حاولوا أن يحرقوا ذاك الصرح العظيم في باريس...ولماذا يفعلون هكذا إجرام؟؟
وكعقوبة عليك، يجب أن تسمعينا مقطوعة لشوبان على البيانو حتى تعود البسمة لقلوبنا...
صفق الجميع، وقال الأبونا: هنيئاً لهذا البيت الذي نستمع فيه المقطوعات الرائعة من عازفة ماهرة، تفرح قلوبنا المتعبة، وشكرا لله الذي أعاد السلام إلى هذه العائلة الطيبة المحبة للجميع...
في الحقيقة أخذ جو المنزل يعود للحياة، وعادت فرحة خجولة إلى البيت، والقلوب ارتاحت واستسلمت لمشيئة الله، وعادت رويداً لتنعم بالسكينة والسلام.
اعتذرت سحر من الراهبات كم حزنن، وكم تأسفن، وخاصة (الريسة) على ذاك الاعتذار، وخسارة سحر... وقالت أين نجد مثل سحر، لأنها كانت ستكون فرحة مدرستنا، وتسعدنا بمقدرتها التعليمية، وبرشاقة عزفها على البيانو، وطيبتها ومحبتها للجميع... سحر فتاة مثالية تعيش العذراء مريم في قلبها... هي راهبة حقيقية في اخلاقها، ونبل تفكيرها، صحيح هي لم تلبس ثوب الرهبنة الأبيض، ولكنها تلبسه في قلبها وفكرها الطاهرين... وبذلك تكون الانسان المثالي الحقيقي...
أثناء الزيارة عند الراهبات، رن موبايل أبو سحر، قالت له زوجته، لا تدع ابونا ميشيل يذهب، احضره معك على الغذاء...
كانت فرحة أم سحر عارمة ذلك اليوم، لأن السلام عاد للبيت وعادت ابتسامته وسلامه...
سأل الأبونا سحر، الي أين رحلتك القادمة؟ قالت سحر إلى الصين، يوم الاثنين القادم صباحاَ... 
قال الأبونا، أنا أحلم أن أزور ذاك البلد، حتى أزور سور الصين العظيم، أحد عجائب الدنيا السبع...ذلك السور هو أسطورة العمل الانساني العملاق عبر قرون عديدة...
الصين اليوم ذات المليار ونصف المليار مواطن، انقذتهم السياسات الحكيمة، ونقلتهم من مواطنين كانوا مستعمرين يموتون من الجوع والمخدرات، إلى بلاد حضارية متقدمة في العالم، وستصبح الصين من أوائل الدول في السنوات القريبة المقبلة... 
ذهبت العائلة جميعا يوم الاثنين إلى المطار، لتوديع سحر، تفاجأوا بلباس المضيفات الجميل...بالفعل سحر بدت أجمل المضيفات وأرتبهن في شكلها وأناقتها...
تعرفت هدى على رفيقات أختها، وتعرفت أيضاً على الكابتن سليم قائد الطائرة، وقد لاحظ الجميع التغير الكبير البادي على وجه سحر، لقد أضحت أكثر فرحاً وأكثر جمالاً... واختفت الدموع من عينيها، وظهرت عليها ابتسامة ساحرة عذبة مشرقة.
كان الجميع يصلون إلى الله في سرائرهم حتى يحمي سحر ورفيقاتها بل يحمي كل الطائرات وطواقمها وركابها...من كل سوء... ويطلبون من السماء أن تحمي جميع الرحلات حتى تصل سالمة الى مقاصدها...
تفاجأت سحر بحضور الكابتن سليم، حتى يسلم على الأبونا ميشيل، حينها أصر أبو سحر على دعوة الكابتن سليم ومساعده وجميع المضيفات إلى احتساء القهوة في كافتيريا المطار...
قالت هدى هنا كانت أجمل جلسات أختي سحر، عندما كنا لا نزال طالبات في الجامعة، تحضرنا معها، تجلس هي بجانب النوافذ تراقب حركة الطائرات المقلعة، والطائرات الواصلة...
بعد تخرجها كانت  سحرتبحث عن عمل تحبه ويحبها  

وأخيرا ربنا أراها طريقها وصارت من عشاق الجو تعمل في الطيران...
واحدة من المضيفات من زميلات سحر أسمونها دلع لأنها صاحبة فكاهة حاضرة، تحكي بعذوبة، وكيفما حكت تضحك الجميع...
وباقي المجموعة غاية في العذوبة واللطافة.
تشكرت أم سحر الله لأن ابنتها تعمل مع مجموعة طيبة، كما هدأت مخاوف الأب لأن زملاء سحر يشكلون فريقاً رائعاً...
عاد الجميع إلى البيت، جلسوا في الحديقة يتناولون الفطور، كانت هدى تنتظر مكالمة اختها... وكم فرحت عندما أحست من صوت سحر بأنها بالفعل سعيدة وهذه هي ضحكتها التي تعرفها...

كاتب القصة: عبده داود
إلى اللقاء بالجزء: الخامس (قصة حب)
الذين يرغبون بقراءة حلقات  سابقة يجدونها في:  
(مجموعة يوميات مضيفة طيران)...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...