الأحد، 6 يونيو 2021

الزبال ‏وحصانة ‏الواهن ‏ ‏ ‏ ‏ ‏ ‏ ‏// ‏ ‏ ‏ ‏ ‏ ‏بقلم ‏الشاعر ‏المفرجي ‏الحسيني ‏

الزبَّـــال وحـــصانة الواهـــن
--------------------------------------
يوم شتوي آخر، نجر الخطى ننقلها بتثاقل عبر الطرقات الموحلة بالطين والمياه الآسنة، حاملين آلام يوم فائت من المكوث ساعات في طرق غصَّت بالحواجز الكونكريتية وغابت معالم المدن العامرة بمحلات التسوق المختلفة، لا ترى غير شواهق من الجدران الخرسانية حجبت الشارع عن المدن والمدن عن الشوارع تتنقل في المركبة أو راجلاً وكأن عليك غطاء حصان يجر عربة الأزبال بتثاقل شديد.
تلبدت السماء بغيوم كثيفة وبرد قارص ونزل الضباب يلف المنازل والجدران الخرساء الإسمنتية الشيطانية، متحدياً مع الغيوم إطلالة الشمس، لتبث ألسنتها الدافئة عبر الوجود، فالرذاذ الكثيف الضبابي لا يزال مقترباً بعناد حتى يريد أن يطبق على الأرض ويتحد مع الأوحال والطين، حتى تناسى الناس شكل الرصيف والشارع الاسفلتي، حتى المجاري أبت أن تستقبل مياه الأمطار لاستضافتها كميات كبيرة من الأزبال والتراب من سنين سابقة، وبقيت متمتعة بهذه الاستضافة.
بدت خطواته أكثر تهالكاً وازداد ظهره انحناءً وهو يعرج إلى طريقه متبوعاً بحصان بانت عظام صدره، وأردافه تُعلن عن الكائن الحي الميت، من البؤس والشقاء. يجر عربة خشبية صغيرة بدواليب مركبة قديمة، تهالك خشبها لا تعرف لون الخشب من جزء بقايا الأوساخ والأزبال، التي يقوم الرجل بإخراجها من الأزقة والبيوت ورميها في موضع النفايات الذي يبعد أكثر من ساعة عن المدينة وراء الأكمة والتلال التي تحيط بالمدينة حيث يتصاعد الدخان الأسود والغازات الكريهة منها ، بيته والأصح بقايا دار مهدم يسكن فيه مع أطفاله الخمسة وزوجته الكسيحة، وقد تساقطت كثير من جدران هذا البيت، والذي كان ملكاً لأحد الأثرياء، ترك داره وحتى بلاده وهاجر، يتمتع بحرية ثرائه. جَرّ الحصان العجوز الخائر القوى من لجامه. وسار باتجاه موضع النفايات وبقايا الغابة التي تحيط بهذا الموضع حاملاً فأساً صغيراً.
امتزجت أنفاس الحصان الساخنة المتسربة عبر خيشومهِ مع الضباب، وكونت غيوماً بيضاء جديدة حولها وبقيت خلفها لتدل على مكان مرور الشقاء والفقر.
كان قليلاً ما يرفع الرجل البائس بصره ليستدل على الطريق، أما حصانه فمطرق الرأس متوحداً مع شقائه وبؤسه وفقر صاحبه المدقع.
الأفق الأبيض الضبابي أمامه يزداد اتساعاً وتزداد رائحة العفونة والرطوبة ممزوجة برائحة دخان المزابل خلف التلال، وباتت التلال كشريط أخضر قاتم الخضرة حتى بدت بعض صفحاته سوداء، وعلى العموم يؤطرها لون واحد هو السواد.
لحظة، ما كان يود التنازل عما خرج من أجله ولكن تكور الضباب أمامه صور أطفاله بأسمالهم البالية وبطونهم الخاوية وعيونهم الجاحظة وزوجته المسكينة الكسيحة المنزوية في أحد أركان الغرفة البالية الجدران يلتف حولها أطفالها كصيصان دجاجة تهتز أوصالهم من البرد وخوف آتٍ مجهول. وهو يزحف على قدميه وساقيه الواهنتين وخلفه الأشد وهناً حصانه البارز العظام والمعصب العينين... ترجم الضباب ولفحات الهواء البارد صور قتلى الأطفال في بداية الشتاء الفائت من البرد والصقيع الذي هبط فجأة واكتست قمم الجبال والسهول بطبقة زجاجية بيضاء.
دبت به سرعة، فجأة، وراح يسارع الخطى ويجر الحصان بيده الأخرى يسارعه الخطى، وكلمات التوسل تخرج من شفتيه ثقيلة مرتعشة من البرد سرعان ما تصبح بخاراً يتوحد مع الضباب.
التهمت النيران آخر قطعة خشب في داره المنزوية في أطراف المدينة وتحوّل إلى علبة صفيح باردة.
يقترب من الفضاء الشاسع خلف التلال ورائحة المزابل تعلن عن نفسها على بعد أمتار من المكان.
بدأ يلتقط قطعة خشب من هنا وأخرى من هناك، صغيرة مهما كانت صغيرة ويضعها في بطن العربة التي يجرها حصانه الذابل.
قليل، قليل من قطع الخشب، بقايا صناديق أو أثاث محطم.
دارت عيناه هناك على سفح الأكمة لعله يجد بقايا شجرة أو حتى جذورها. لاحت له بعض الشجيرات، عالجها بشفرة فأسه واقتطعها. لقد دبت الحرارة في أوصال الرجل وكل ضربة فأس تعلن تحدي الرجل للبرد واستباق الموت برداً أن يصل لأوصال أطفاله. حتى الحصان الواهن أبى أن يستسلم للبرد وبدى أكثر نشاطاً من صاحبه وهو يصعد الربوات.
راح يفكر ببقايا الأشجار المتناثرة هنا وهناك وقد سبقه من هم مثله بالشقاء والتعاسة، واقتطعوا أغضان وجذوع الأشجار.
بيد أن الوجود بدا صفحة من البرد والضباب الكثيف.
راح طيف اليأس والقنوط قريباً منه، وبدأت قواه تخور تدريجياً، وخيم شبح الموت، واستأثر أن يموت وحصانه الواهن على هذه الربوات التي تحمل أيضاً أشباح الأشجار، على أن يرجع خالي الوفاض ويرى أطفاله صرعى البرد.
انتفض بشدة وهوت فأسه على بقية شبح شجره، اقتطع جزءاً منها ومن بقية شبح جزء آخر واختلط دمه مع العشب وماء المطر وسالت من كفيه بعد أن أكل مقبض الفأس منها، لم يتوقف وتتالت ضربات الفأس، تحز رقاب بقية الأشباح وينقلها في قاع العربة.
شيئاً، فشيئاً بدأت تمتلئ، ينظر إليها تزداد عزيمته تعرض ابتسامته. لقد ولَّى شبح الموت عن أطفاله. نظر إلى الأفق وقد غطى ماء المطر الأرض فكيف يستطيع هو وحصانه الواهن الخروج والوصول إلى بيته الذي غاب وغابت حتى المدينة عن ناظريه لبعد المسافة وكثرة الضباب. ورجع بنظراته إلى بقية الأشباح وراح ينهال عليها ضرباً باليمين ويحز رؤوسها بشفرة فأسه الحاد. توقف ليستجمع أنفاسه، سخنت يداه، تشققت راحتاها. سرعان ما احمرت وازدادت الجروح عمقاً وازداد الألم وهو يزداد كلما أحكم يديه بشدة على مقبض الفأس. لم يعد للألم وجود لديه لاسيما حيث يبصر امتلاء عربته بقطع الخشب وجذوع الأشجار.
هَمّ بالرجوع، يقود العربة والحصان بصعوبة بالغة، لانغراس عجلات العربة بالوحل، ثم تتالت خطواته وخطوات الحصان مصحوبة بآلام في اليدين المتشققتين وحتى آلاماً في الظهر والساقين.
هوى على ركبتيه ممسكاً بالحبل الذي يجر الحصان والعربة ثم هوى على وجهه وتبرقع وجهه بالوحل وامتلأت أسماله بالماء والوحل. امتلك التعب كل جسده. خارت قواه. تمسك بالحبل واقترب من رقبة الحصان وأمسكها محاولاً النهوض وتنفس بصعوبة وواصل خطواته نحو المدينة بخطوات صعبة وثقيلة.
بدأت صورة الأفق تتغير وبانت الأكواخ التي تحيط بالمدينة الناعسة الدافئة. وتغيرت أبعادها وكبرت، وفي وسط البرد والضباب الذي صار ثقيلاً كثيفاً وتحت الظلام الدامس انبعثت النار صارخةً تهبُّ لبقايا البيت وأكوام اللحم بأسمالهم البالية دفئاً ونوراً وأملاً بالحياة.
**********
المفرجي الحسيني
الزبال وحصانه الواهن
العراق/بغداد
6/6/2021

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...