الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

فنجان قهوة بقلم الشاعر والاديب: ابو وسيم ابو فضه

🌸فنجان قهوة🌸

الوقت متأخر قليلاً قبيل منتصف الليل ونحن سائرون في طريق العودة من رحلة الحج ... مشرفون على طريق صحراوي... خط سريع، بطبيعة الحال البدر مكتمل فنحن في الرابع عشر من ذي الحجّة بعد إنتهاء أيام التشريق...
في الطريق هناك محطّات وقود منتشرة؛ والكل يعلم أنّها مجهّزةً بسوق كامل من مطعم وإستراحة ومسجد وماركت كبير ، إذاً الأمور على ما يرام... وقفت بالمركبة للتزود بالوقود... بعدها توضأت ودخلت المسجد بنيّة ركعتين، صليت وحمدت الله وتوجّهت إلى الماركت لأتزود ببعض الأشياء...
هنا تذكرت حفيدي الصغير ذو الثلاث سنين.
عندما كنت قاصداً بيت الله الحرام في ليلة السادس مت ذي الحجّة... حيث كنت جالساً أتناول فنجان قهوة كانوا قد أعدّوه لي مع حبّتي شوكولا... كان حفيدي الصغير بالقرب منّي حيث تناول حبّتي الشوكولا من أمامي... قلت له واحدة لي وواحدةً لك... أعطاني حبّةً وأخذ يأكل الأخرى وقال هذه لك يا جدّي وقد وضعها بجانب فنجان القهوة ...
أنهىأكل حبّة الشوكولا وإذا به يبكي،
قلت:- ما بك يا عاصم... عينه تدمع وتنظر إلى حبّة الشوكولا...قال :- اريد حبّتي ، قلت له :- إنّها لي ... أخذ بالبكاء مجدداً ... إقترب من الفنجان وتناول حبّة الشوكولا وفتحها وبدأ يأكل بها وأنا أنظر إليه مبتسماً ... مسروراً للمشهد... تناولت قهوتي وودعت مَن بالبيت وتوكلت.
كل ذلك جاءت صورته بخلدي أثناء وجودي بالسوبر ماركت...
تناولت بعض الاشياء ومن بينها بكيت شوكولا... قلت للمحاسب أن يضعه لوحده منفرداً، فإن له عندي قصّةً مع عاصم... سأحبكها جيداً .. إن عدت فإنَّ عاصم ليس له اليوم من عاصم، لا أُخفيكم... مع إبتسامهً ههههههههه .
طبعاً عندما خرجت الى الحج الكلُّ كان في وداعي أبناءً وحفدة، إلّا "الكبيرة الغالية" فقط... ودّعتها عبر الإتّصال وخرجت ... بيننا حدودٌ مصطنعة... وكنت أطمئن عليها بين الفينة والأخرى، وقصصت عليها قصّة عاصم الشوكولا ... لا أُخفيكم فأنا لا أخفي عليها سرّاً
كنت قد قصصت عليها قصّة عاصمٍ تلك الليلة وقلت لها سوف أردُّ الصّاع صاعين ريثما أعود... كان ذلك قبل أن أصل المنزل عند إتّصالي بها... سوف يكون بكيت الشوكولا كلّه لكِ ... فأنتِ الأجدر... أيا دمعة الفرح حين نزلت من اليمنى... فأنتِ الإستحقاق وأنتِ مَن تستحقّين.
هنا بدأت التفكير كيف أحتفظ بعلبة الشوكولا للكبيرة الغالية...
الحمد لله وصلت المنزل ليلة الخامس عشر من ذي الحجّة... طبعاً القمر بدر مكتمل، أخذت قسطاً من الرّاحة إثر عناء السفر... الجميع حولي من أبناء وزوجاتهم وبنات وأزواجهّن ... وحفدةً وأسباط... إلّا الكبيرة... فإنّها بعيني دمعة فرح... لا تزال قائمةً للعهد حافظة...
الجلسة كانت من فناء البيت في رقعة متّسعة منه...
كنت قد كتبت على العلبة " هذا للغالية" ... تنحّيت جانباً وهمست في أذن أحدهم أن أخبر جميع الكبار أنّهُ مَن يأخذ حبّة شوكولا من طفلٍ ... لا يأكلها... بل يعيدها لي واتّفقنا على ذلك ... وانتشر بينهم الخبر، وقلت للأطفال سوف أُوزع عليكم علبة الشوكولا... لكن كل واحد منكم سوف يأخذ ثلاث حبّات ... حبّةً له وحبّتين لوالديه... أفهمتهم.. حبّة للوالد وحبّة للوالدة... وحبّة له لكن، إيّاكم أن تأكلوا حبّاتكم... قالوا :- لِمَ يا جدّي
قلت:- مَن منكم يرجع حبّتهُ سوف أُعطيه لُعبة... الكل فرح واتّفقنا ...
وزّعت الشوكولا على الاطفال بالتّساوي ولم يبق في العلبة أي حبّة ... حيث أسميتها " القسمة العصماء" .
طبعاً الكبار جمعوا لي ما استحوذوا عليه من الشوكولا وأعادوه سرّا ، وكذلك بدأ الأطفال يعيدوا الشوكولا على أمل أن يحصل كلٌّ منهم على لعبة إلّا عاصم ... في البداية أبى... قلت:- يا عاصم.. تلك الحقيبة بها أشياء ثمينة لا يأخذ منها إلّا مَن أعاد الحلوى... يا عاصم لا تدعها تفوتك... وبالمقابل أعِد حبّة الشوكولا كما اتّفقنا إن أردت أن يكون لك نصيب من هذه الأشياء الثمينة.
رضخ عاصم وأعاد حبّة الشوكولا بنفسٍ مهزومةٍ وعينه على الحقيبة ، لكن عاصم عينه على والديه... كيف يمكن له أن يأخذ والديه قطعة يأكلها.
المهم... جمعت حبّات الشوكولا وأعدتها إلى العلبة... أقفلتُ العلبة بإحكامٍ وقلت:- أتعلمون لمن هذه العلبة؟ ... الكلّ إنتبه وقالوا لمن ؟... قلت :- إقرأوا ما كُتِبَ عليها... الكلّ قال :- " هذه للغالية " ... قلت:- نعم إنّها لها... فإنّها الغالية وهي لها بالتأكيد ...
قال عاصم:- أين اللعبة يا جدّي
قلت :- الالعاب سوف تتوزع عليكم مع باقي الهدايا إن شاء الله.
قال عاصم :- وأنا أين لعبتي... دعني أراها ... قلت :- يا عاصم لِمَ أنت شاذّ عن باقي الأطفال... إهدأ ... أنت مَن أكل شوكولا القهوة ... أنسيت ... " حبَّتي يوم قهوتي "؟؟ .. والكُلُّ كان مسرورٌ من مناغشتي لعاصم .
في هذه الأثناء لم تثني عاصم عن التفكير بالشوكولا... فعاصم عنيد جدّاً
سأل عاصم والدته... أين حبّتك يا أُمّي؟ ... قالت له أكلتها... عاود السؤال إلى والده .. قال له أكلتها.
قال عاصم بصوتٍ مخنوق:- اريد شوكولا يا جدّي ... قلت:- يا عاصم لقد أكلتها يوم قهوتي... يا عاصم ألا تذكر... .
كانت ليلة ظريفةً ... أهديت عاصم قُبلةً بيضاء وقلت له إن شاء الله سأهديك هديّةً قيّمة.
ضحك عاصم ضحكتهُ المعهودة ... وضحك الجميع ، وكان هناك طبق حلوى كانوا قد أعدّوه في البيت... وزّعوا على الاطفال قبل الكبار.. وأكل عاصم...
وأُسدل الستار على علبة شوكولا
" أمانةً للغالية" .
إنتهى
✍بقلمي(ابو وسيم ابو فضه)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...