الخميس، 8 أكتوبر 2020

دوار القمر
الحلقة 1
كانت أجمل أوقات فيروز عندما يرن جرس المدرسة معلناً انتهاء الدوام، تضع كتبها في الحقيبة كيفما أتفق، وتركض مسرعة إلى دراجتها الهوائية التي تربطها بجنزير حديدي، ليس خوفاً عليها من السرقات، لكن خوفاُ من أن يستخدمها أحدهم، وتخسر السباق اليومي هي وعادل الذي يدرس في مدرسة الذكور القريبة من مدرستها...لأنها تعرف إذا خرج هو من مدرسته ولم يراها، فإنه يتابع ركوب دراجته إلى منزله القريب من منزلها. لم يكن يرضى أن ينتظرها حتى تخرج هي خوفا من تعليقات رفاقه السمجة، التي لم يكن يحب أن يسمعها...
فيروز وعادل يدرسان هذه السنة (بكلوريا) علمي...وهذه بحاجة لجهد كبير.  
يلتقيان كل صباح، وينهبان الطريق خوفاً من أن تغلق مدرستيهما الأبواب الحديدية.
لكن بعد انتهاء الدوام غالباً يلتقيان ويتسابقان إلى مسافات أبعد من منزليهما، عبر الطريق الأسفلتي عبر البساتين الجميلة ذات الأشجار الوارفة، التي تظلل الطريق، بداية  بشهر أذار عندما  يستيقظ الربيع، وتزهر أشجار المشمش، وتتلون الأشجار بألوانها الزهرية... وتفرش الأرض بساطها الأخضر...وتنبت الزهور البرية تزين الحقول والروابي. 
عادل وفيروز كانا يتسابقان حتى يصلان إلى عين النبع الذي خرق الصخر من أمد بعيد، وما فتأ يتدفق ماؤه العذب ليروي الحياة، ويسقي بساتين ضيعتهم دوار القمر...
يشربان من ذاك الماء العذب لحد الارتواء، ويتراشقان بالماء مزحاً ويمتلأن مرحاً وسعادة...
فلاحوا الضيعة الذين  تعودوا أن يشاهدوا فيروز وعادل سوية مع بعضهما البعض عند النبع، كانوا يحسدونهما على فرحتهما، ويقولون: "ما أجمل الحب".
الغريب فيروز وعادل لم يتحادثا يوماً عن الحب ولم يقل واحد منهما للآخر بأنني أحبك أو ما شابه، لكن كانت فرحتهما ببعضهما تجسد الحب بكل معانيه، حب تعبر عنه الاهتمامات، وتقوله القلوب بشفافية مخلصة، حب تلقائي عفوي، يشبه مياه تلك النبعة تخرج مياهه  بعفوية، وتروي العطاش، بمحبة وتلقائية مطلقة وبمجانية...
هكذا كانا  فيروز وعادل  يعيشان الحب بكل معانيه، دون أن يدركا بأن تلك المشاعر هي مشاعر الحب الحقيقية التي تنمو في أعماقهما...أو ربما يعرفان ذاك الشعور الرائع، لكنهما يرعيانه لأنهما يدركان  بأن ساعة الحب لم تأتي بعد...البكلوريا هي عالمهم وهاجسهم الآن... بعدها سينتقلان إلى الحياة الجامعية الواسعة بعد أشهر قليلة، وليس أمامهما سوى الدراسة ولا شيء غير الدراسة...
هما يعيشان ربيع  عمريهما الثامن عشر، لكنهما لا يزالان طفلين في روحيهما لا يعرفان دنس الخطيئة، ربما لأنهما مؤمنان بالحقيقة، ويدركان بأن الخروج على الصواب يغضب ربنا...
عندما مرض عادل  الشهر الماضي وتغيب عن المدرسة، كانت فيروز تبكي في غرفتها، ولم تكن تفشي سر بكائها لأحد،  لكن بعدما عاد عادل إلى المدرسة، ملأت الضحكة وجهها، وعادت تغني بعض اغنياتها وخاصة تلك التراتيل الكنسية، كالتي ترتلها المطربة فيروز في الكنائس... 
كانت تحاول بكل جهدها، أن تعوض إلى عادل  الدروس التي فاتته "تقول له لا تحفظ درساً قبل أن تفهمه تماما وتربطه مع ما قبله من دروس  لأنه سيكون مقدمة لما سيأتي بعده...هكذا  تتركز  المعلومات في فكرك تماما، ولن تنساها ابداً"
كان يستوضح  منها بعض النقاط التي لم يفهمها من أستاذ مادة الفيزياء في مدرسته، الذي يشرح  بإيجاز مقصود ودائماً ينصح الطلبة بالدروس الخصوصية عنده بمنزله. 
بينما أستاذ الفيزياء في مدرسة فيروز كان يشد انتباه الطالب ويجعله يدرك ماذا يدرس، ولماذا يدرس، وكيف يدرس... 
فيروز كانت دقيقة  في مراجعة دروسها اليومية، تأرشفها مما يسهل عليها مراجعتها حين تطلبها...
كانت محبوبة في المدرسة لأنها مجتهدة، مرتبة، صادقة، متواضعة، لطيفة المعشر والسلوك، غير هذا وذاك هي أية من آيات الجمال  الطبيعي الملفت.
أهل فيروز، وأهل عادل كانا مسرورين من علاقة الصداقة بين ولديهما، ومقتنعين "بأن الأحسن أن تربط أولادهما علاقات نظيفة تحت درايتهما، أفضل ألف مرة من أن تكون بعيدة عن أعينهم، ولا يدرون أين يذهب أولادهم ومع من"
مدارس قرية دوار القمر تعطل يومي السبت والأحد، كون غالبية سكان القرية الثلاثين الفاً من المسيحيين. ويتضاعف عددهم في الصيف عندما يعود أبناء البلدة للاصطياف في بلدتهم وحينها يملأ ضجيج الأولاد حارات القرية...وخاصة وهم يلعبون كرة القدم... او ألعابهم المختلفة الصاخبة...
يوم الأحد كانت أجراس الكنيسة تملأ الضيعة فرحا وبهجة، تدعوا الجميع لحضور القداس الصباحي وغالبية  سكان الضيعة  يذهبون إلى الكنيسة  حتى يلبوا دعوة الله إلى بيته...
فيروز وعادل كانا من فرقة الكورال المنشدة في الكنيسة، وفيروز ذات صوت كنائسي مقبول، تحاول أن تقلد صوت المطربة والمرتلة العظيمة فيروز.
وأيام الآحاد هناك عادات في القرية، لا يزالون يحافظون عليها تعتبر تراث مكتسب  ومتناقل من الأجداد إلى الأحفاد...ومنها تخصيص كل يوم أحد، يوم استقبال عند عائلة من عائلات الضيعة، ويعتبر يوم الاستقبال هذا، عيداً مقدساً خاصاً للعائلة يتوارثه الأبناء من الآباء...
  تجتمع العائلة جميعاً وحتى الغائبون القادرون منهم يعودون ليشاركوا في عيد العائلة.
  يستقبل أصحاب العيد رجال البلدة قبل الظهر، الذين يهنؤون أصحاب العيد بعيدهم، ويتمنون أن يعيده عليهم بخير... يتسامرون ويحتسون القهوة وتدور ضيافة   الحلويات والسكاكر... 
ظهرا، وليمة غذاء وغالبا ما يكون هناك مدعوين من الأقرباء والصهر الجديد أو الأصهار الجدد الخاطبين من بنات العائلة... 
  طبعاَ الضيف الأول هو كاهن الرعية الذي يجلس على رأس الطاولة يصلي ويشكر ويبارك...
بعد الظهر، يأتي دور النساء، تحضر السيدات بكامل أناقتهن، تحمل كل سيدة حقيبتها الرسمية حتى تكتمل أناقتها، وتعتبر الحقيبة النسائية هنا عنوان الزيارة الرسمية. 
الحقيقة التحضيرات للعيد تبدأ قبل العيد  بفترة غير قصيرة،  تبدأ بتعزيل البيوت وتجديد ما يراد تجديده...
  وشراء البسة  جديدة مناسبة. 
رب الأسرة يهتم بالقهوة، تحميص حباتها الخضراء حتى تستوي وتصبح بنية غامقة اللون، ثم تفرد وتبرد وما أطيب عبقها وهي تملأ البيت برائحتها المنعشة. 
ثم طحنها بجرن القهوة الخشبي وبمدقة خاصة، بعض الرجال، وحتى بعض النساء يجدن دق القهوة في الجرن الخشبي ويخرجن الحاناً شجية.
عيد أبو يوسف  أهل فيروز يصادف أول أحد بعد عيد مار يوسف، في  التاسع عشر من شهر آذار وقد اختار هذا العيد اجداد أبو يوسف، لأن الاسم أيضاً متوارث في العائلة...
فوجئ عادل عندما دعته فيروز لغذاء العيد...
إلى اللقاء في الحلقة 2
  كتب الحلقة: عبده داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مدينة الحب.. .................. مدينة محاطة بسياج  من وردات الياسمين رائحة ذكية تنشر شذاها  بعبق الرياحين  وجوه مبتسمة ليست بعابسة  وأيادي ت...